فخر الدين الرازي
115
تفسير الرازي
الساهي فيصير ذلك بياناً لذلك الشرع بالفعل والبيان بالفعل أقوى ، ثم بتقدير وقوع السهو منه فالسهو على أقسام أحدها : سهو الرسول والصحابة وذلك منجبر تارة بسجود السهو وتارة بالسنن والنوافل والثاني : ما يكون في الصلاة من الغفلة وعدم استحضار المعارف والنيات والثالث : الترك لا إلى قضاء والإخراج عن الوقت ، ومن ذلك صلاة المنافق وهي شر من ترك الصلاة لأنه يستهزئ بالدين بتلك الصلاة . * ( الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ) * . أما قوله تعالى : * ( الذين هم يراءون ) * فاعلم أن الفرق بين المنافق والمرائي ؛ أن المنافق هو المظهر للإيمان المبطن للكفر ، والمرائي المظهر ما ليس في قلبه من زيادة خشوع ليعتقد فيه من يراه أنه متدين ، أو تقول : المنافق لا يصلي سراً والمرائي تكون صلاته عند الناس أحسن . اعلم أنه يجب إظهار الفرائض من الصلاة والزكاة لأنها شعائر الإسلام وتاركها مستحق للعن فيجب نفي التهمة بالإظهار . إنما الإخفاء في النوافل إلا إذا أظهر النوافل ليقتدي به ، وعن بعضهم أنه رأى في المسجد رجلاً يسجد للشكر وأطالها ، فقال : ما أحسن هذا لو كان في بيتك ! لكن مع هذا قالوا : لا يترك النوافل حياء ولا يأتي بها رياء ، وقلما يتيسر اجتناب الرياء ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على المسح الأسود " فإن قيل : ما معنى المراءاة ؟ قلنا هي مفاعلة من الإرادة لأن المرائي يرى الناس عمله ، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به . واعلم أن قوله : * ( عن صلاتهم ساهون ) * يفيد أمرين : إخراجها عن الوقت ، وكون الإنسان غافلاً فيها ، قوله : * ( الذين هم يراءون ) * يفيد المراءاة ، فظهر أن الصلاة يجب أن تكون خالية عن هذه الأحوال الثلاثة . * ( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) * . ثم لما شرح أمر الصلاة أعقبه بذكر الصلاة فقال : * ( ويمنعون الماعون ) * وفيه أقوال : الأول : وهو قول أبي بكر وعلي وابن عباس وابن الحنفية وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك : هو الزكاة ، وفي حديث أبي : " من قرأ سورة * ( أرأيت ) * غفر الله له إن كان للزكاة مؤدياً " وذلك يوهم أن * ( الماعون ) * هو الزكاة ، ولأن الله تعالى ذكره عقيب الصلاة ، فالظاهر أن يكون ذلك هو الزكاة والقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين ، أن * ( الماعون ) * اسم لما لا يمنع في العادة ويسأله الفقير والغني ، ينسب مانعه إلى سوء الخلق ولؤم الطبيعة كالفأس والقدر والدلو والمقدحة والغربال والقدوم ، ويدخل فيه الملح والماء والنار . فإنه روى : " ثلاثة لا يحل منعها ، الماء والنار والملح " ومن ذلك أن يلتمس جارك أن يخبز في تنورك ، أو يضع متاعه عندك يوماً أو نصف يوم ، وأصحاب هذا القول قالوا : الماعون فاعول من المعن . وهو الشيء